أحمد بن سهل البلخي

426

مصالح الأبدان والأنفس

وأمّا الذين يتناولونه بقصد اللّذّة والشهوة وطيب الأنس والسرور ، فإنّهم يحتاجون إلى الازدياد / منه ؛ ليبلغ بهم طيب الأنفس ، ووجود الأريحيّة ، فإنّهم لا يصلون إلى ذلك إلّا بأن يأخذوا منه القدر الذي يملأ العروق ، ويسخّن الدم ، ويرفع البخار إلى الرأس ، ويحرّك قوى النفس . وأوقات شرب هذه الطبقة تختلف ، فإنّ منهم من يشربه صبوحا ، وهو الشرب في أوّل « 1 » النهار ، ومنهم من يشربه غبوقا ، وهو الشرب في آخر النهار وبالعشيّ ؛ فأمّا شرب الصّبوح فليس من مذهب من يتناول لذّاته وشهواته على سبيل اقتصاد ، وتدبير صواب ، ولزوم استعمال حكم العقل والمروءة فيها ، بل هو من مذهب أهل البطالة والترف ، والذين يركبون أهواءهم في تناول شهواتهم ، ولا يبالون ما يقع من الخلل في مصالح أبدانهم وأنفسهم . وذلك أنّ المصطبح الذي يريد استتمام لذّته يعطّل على نفسه نهاره وليلته « 2 » ، ويفنيها « 3 » فيها « 4 » إشغاله « 5 » ؛ إذ ليس أحد من الناس يسعه بحكم الدّين والعقل أن يعطّل على / نفسه يوما ، ويقصره على لهوه ولذّته ، من غير أن يقضي فيه شيئا من أشغال معاشه ، ومصالح أموره . والأمر في هذا على الملوك أصعب ، وهم إلى مناقشة أنفسهم في هذا الباب أحوج ؛ لأنّهم موكّلون بسياسة العباد ، وعمارة البلاد ، أوقاتهم تضيق عن أن يذهب شيء منها باطلا ، وألّا يجعل بإزاء عمل جليل من الأعمال ، وفي شغل مهمّ من الأشغال . وكذلك كلّ من طبقات الناس على حدته ، وبحسب مرتبته ، فإنّه لا يسعه أن يبتدئ يوما من أيّامه بلذّة مأكله ومشربه ، ويشغله بهما ، ويقصره عليهما إلى آخره ، دون أن يفيت نفسه بذلك أمورا واجبة عليه .

--> ( 1 ) ساقطة من ب . ( 2 ) في ب : وليله . ( 3 ) أي : يفني نفسه . ( 4 ) أي : في لذته . ( 5 ) أي : إشغاله نفسه بالشرب .